رسالة من مهاجرة سورية إلى الاتحاد الاوروبي

  1. هربنا من الحرب، والآن يشن الاتحاد الأوروبي حربا علينا، حربا نفسية. عندما نسمع إشاعات بأنه سيُسمح لنا بدخول أوروبا، نفرح. ولكن بعد أن يعطينا هؤلاء القادة أملا جديدا، يقتلونه. لماذا فتحتم الباب أمام اللاجئين؟ لماذا رحبتم بالناس؟ لو كانوا أوقفوا الهجرة لما أتينا، ولما خاطرنا بالموت، أنا وأطفالي، والآلاف غيرنا، من أجل العبور.

    عمري 39سنة، وأنا كردية من مدينة الحسكة. علمَت أسرتي من مشاهدة الأخبار أن الحسكة كانت تتعرض لتهديد من “الدولة الإسلامية”. في الربيع الماضي، كانت الحكومة كل يوم تقصف أطراف المدينة بالقنابل. وفي بعض الأحيان كانت القذائف الطائشة تسقط بالقرب منا.

    في أحد الأيام، في الخامسة صباحا، سمعنا قصفا متواصلا وعرفنا أن “الدولة الإسلامية” قد وصلت. أخذتُ أطفالي وكيسين وهربتُ. في تلك الأيام كان الجميع يحتفظون بكيسين جاهزين في كل الأوقات: أحدهما يحتوي على الوثائق الهامة والآخر على الملابس والحاجات اللازمة الأخرى. ركضنا عبر نهر جاف، وغطست كواحلنا في الوحل في الأماكن التي لم تكن جافة.

    وحتى قبل وصول “الدولة الإسلامية” كانت الحياة تحت رحمة القوات الكردية صعبة جدا. لم يكن لدينا الحطب لإشعال النار. وذات مرة سألتُ زوجي، “إذا اقتلعنا إحدى عارضتي السقف لإشعال النار في الموقد، وتركنا الثانية، هل تعتقد أن السقف سينهار؟”. أجاب ضاحكا: “نعم، سينهار وسنعيش في الشارع فوق أثاثنا”.

    إن كان لديكم ابن في الحسكة اليوم فيجب أن ينخرط في الحرب. لا يهم إن كان الابن الوحيد أو طالبا في المدرسة. وإن لم يكن لكم إبن، فبنتكم يجب أن تنخرط. لا بد من مشاركة فرد واحد على الأقل من كل بيت في القتال إذا أردتم البقاء في المنطقة. حاولت القوات الكردية فرض التجنيد الالزامي على ابنتي. لم أجد بدا من تهريبها إلى تركيا.

    سائر أفراد عائلتي موجودون في ألمانيا، ولذا قررنا أن نذهب هناك. قضينا شهرين في منطقة حدودية قبل الهرب إلى تركيا، حيث كان زوجي يعمل. وجدنا مُهرّبا عبر فيسبوك – بيننا صلة قرابة عن طريق الزواج – يسّر سفرنا بالطائرة إلى إزمير. وبعد يومين كنا واقفين في الظلام مع 35 شخصا آخرين في مكان ما على السواحل التركية.

    كنا آخر الناس على الشاطئ، إبنتي وزوجها وطفلهما وأنا. أجهشت ابنتي بالبكاء. قالت إنها لا تريد أن تذهب، وإنها إن ماتت، فالذنب سيكون في رقبتي. لم أعرف ماذا أفعل. بعد ذلك، وأشبه ما يكون بالحلم، قدم شاب وحملها هي وطفلها ووضعهما في القارب.لم يبق أحد غيري على الشاطئ. ركضتُ إلى القارب ونصف جسدي تحت الماء. رفعني المهربون من أسفل وسحبني ابن أخي من فوق.

    اليوم الذي وصلنا فيه هنا إلى إيدوميني كان الناس ما زالوا يعبرون الحدود إلى مقدونيا. ظننّا أننا وصلنا. واعتقدنا أن الجزء الأصعب كان عبور البحر.

    ثمة قول مأثور باللغة العربية: “الجنة بدون الناس ما تنداس”.

    لدي ثلاث أخوات وثلاثة إخوة في ألمانيا. الاتحاد الأوروبي يريد أن يبقينا منفصلين بين البلدان. إذا تسجلنا في برنامج إعادة التوطين، وخصص الاتحاد الأوروبي لنا بلدا أوروبيا حصلنا على جنسيته، هل سيكون بمقدورنا أن نذهب إلى عائلتنا في ألمانيا؟ أخشى أن يغيّروا القوانين ونعجز عن الذهاب حتى بعد ذلك.

    في بلدنا رفضنا أن يُفصل بيننا. هل سنقبل بذلك هنا؟ الجميع في إيدوميني لا يريدون سوى أن يلتحقوا بعوائلهم؛ وإلا لما جازفوا بهذه الرحلة الحافلة بالمخاطر من أجل لم شملهم بعوائلهم. في الخيمة التالية توجد امرأتان لم تريا زوجيهما منذ سنتين. الرجلان في ألمانيا ولم يتمكنا من سحب زوجتيهما وأولادهما.

    أريد من جميع القادة في أوروبا أن يسمعوني: إذا كان أي منهم يوافق على الانفصال عن ابنه أو أخيه أو أخته أو أبناء وبنات أعمامه وأخواله، فسأفعل الشيء ذاته.

    إذا كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك بنا، فليعطونا ما خسرناه من أجل الوصول هنا، وليعيدونا إلى سوريا. إن كنتُ أريد أن أعيش بين الأغراب لطلبتُ الذهاب إلى كندا. إن كنتَ مريضا من سيساعدك؟ إنك تحتاج إلى أخيك أو أختك أو أمك أو أبيك.

    ليلى مصففة شعر مرخصة. طلبت إخفاء اسم عائلتها خشية من أن نشر قصتها يمكن أن يعرض عائلتها في سوريا للخطر، ويؤثر على طلبها للجوء. القصة كما أُخبرت بها الصحفية لورا دين، المقيمة في القاهرة.

    اقرأ المقال بالانكليزية (Read in English)